حي ركن الدين حكاية تاريخ إنساني وديني لا يموت وتلاحم كردي عربي اسلامي لا مثيل له

الأكراد تاريخ نضالي لا يتجزأ عن نضال الشعب السوري كافة وأبدال سكنت بجبل مقدس

حي ركن الدين حكاية تاريخ إنساني وديني لا يموت وتلاحم كردي عربي اسلامي لا مثيل له
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

ركن الدين منطقة من مناطق مدينة دمشق في سوريا، سميت المنطقة بهذا الاسم نسبة إلى أحد ولاة دمشق في العصر الأيوبي، ومدفن الوالي ركن الدين في جامع الركن الدين -لركنية- في ساحة شمدين.

موقع نيوز سنتر ينشر حكاية هذا الحي الدمشق المميز الذي نسيه بعض المؤرخين كما نسوا بعضاً من أحياء دمشق لبعدها عن القلعة وسور المدنية.

يعتبر حي ركن الدين من الأحياء العريقة، يعود تاريخة إلى حوالي عام 1170 ميلادي في الفترة الأيوبية، عاش به أعلام ومشاهير سوريين وعرب عبر تاريخه قديما وحديثا، به الكثير من المدارس التاريخية والأثرية والمقامات منها ضريح ركن الدين في جامع النابلسي وحديثا عددا كبيرا من المجمعات الدينية مثل مجمع أبو النور الإسلامي وهو مسجد مفتي سوريا السابق أحمد كفتارو ومسجد محمد سعيد رمضان البوطي وغيره.

تنتشر المباني والعمارات الحديثة والمجمعات السكانية الراقية في ركن الدين بجانب المباني التاريخية والعديد من المعالم. من أهم المناطق في ركن الدين :

*حارة الوانلي:
تتألف من 5 حارات متفرعة منها.

*حارة الميقري:
منطقة راقية في ركن الدين سمية بهذا الاسم نسبة لان أكثر سكانها من عائلة الميقري وهم عائلة كوردية فيها محل سيفين للاتصالات وحلويات الايوبي وبقالية السكري.

*حارة الكيكية:
طلعة الهوندايات ومن أشهر أنواع الهوندايات التي فيها ASIA، CHANA، SUZUKI وفيها نوعين هوندايات مغلقة وهوندايات قفص وهوندايات إذا أردت الصعود إلى أعلى الجبل

*جادة ادم:
نسبة إلى رجل كريم جداً كان يسكنها اسمه ادم من عائلة الميقري وتشتهر هذه المنطقة بمخبز ادم

*جسر النحاس:
وهي المنطقة التي بين جادة ادم وساحة شمدين وفيها خط للهوندايات أيضا مثل الكيكية

ساحة شمدين:فيها جامع أبو النور ساحة الميسات:فيها ملعب الوحدة ومطعم المايز والنمر الوردي.

حي ركن أكبر تجمع للأكراد في دمشق:
وتسمى المنطقة أيضاً ب حي الأكراد ويشكل على امتداد العاصمة دمشق أكبر تجمع للأكراد بالمدينة من مئات السنين ويعود تاريخ هذا الحي ونشوئه بعد بدأ الهجرة الايوبية في عام 1149 للميلاد عندما قدم كل من شيركوه وأخيه نجم الدين أيوب ولدي شاذي بن مروان الكردي لنصرة الخليفة العاضد بأمر الله الفاطمي حاكم مصر ولتوحيد مصر وبلاد الشام لصد جيوش أوربا بعدّتها وعتادها وأحرز النصر عليها بفضل حنكة السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وبطولة جيشه الذي كان قد عين أكثر قواده بنفسه كما يشير عز الدين ملا وربحان رمضان.

**ارث نضالي مشهود..

للحي تاريخ نضالي لا يتجزأ عن نضال الشعب السوري كافة والشعب الكردي خاصة وقف أبناؤه في وجه الحملات الصليبية والمغولية يتصدون لها ويقدمون على مذابح الحرية قوافل الشهداء وقد شاركوا بقية شعوب السلطنة العثمانية في حروبها في الأناضول والبوسنة والهرسك واليمن كما شاركوا الشعب العربي في مقاومته الاستعمار الفرنسي حيث برز العديد من قادة الثورة ورجالها الوطنين الأكراد في داخل الحي الكردي وخارجه في مدينة دمشق وغيرها وعلى رأسهم قائد ثورة الشمال المناضل إبراهيم هنانو والمجاهد احمد البارافي وأبو دياب البرازي واحمد الملا ومسلم وردة وحمو جمو ورفاعي قشمة واحمد اشيتي.

وحماة البرلمان مثل الشهيد احمد اومري (وأضيف واصف هيتو) كما شهداء من أكراد الحي الذين سقطوا صرعى على هضاب أرض فلسطين مثل : أبو حسين كلعو وأبو محمد البوطي في ثورة شعب فلسطين عام 1936م.

وما يثير الاهتمام ذلك التعاطف اللامحدود مع الشخصيات السياسية العربية التي قدمت وسكنت في ذلك الحي الذي كان كردياً خالصاً حتى وقوع حرب 1948 ولجوء فلسطينيي صفد والجليل الأعلى إلى سوريا ولبنان فأقام السيد ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية الحالي في بيت يملكه المرحوم الأستاذ سليم الأيوبي لفترة ثلاثة أشهر وذلك عام 1964، وكان السيد فاروق القدومي يعيش هو وعائلته قرب ثانوية ابن العميد، وأيضاً المرحوم خليل الوزير.

- بعض الشهداء الأكراد من حي الأكراد في مدينة دمشق نذكر منهم:
- المجاهد أبو دياب البرازي .
- المجاهد أحمد الملا الكردي .
- المجاهد عيد آله رشي .
- المجاهد موسى شيخو آله رشي .
- المجاهد يوسف أحمد ظاظا .
- المجاهد سعدو رناية .
- المجاهد محمد خير إيزولي .
- المجاهد أحمد بارافي .
- الججاهد جمعة إيزولي .
- المجاهد حسين ياسين مللي .
- المجاهد إبراهيم مللي .
- المجاهد أحمد أومري .
- المجاهد علي خسرف .
- المجاهد توفيق عليكو .
- وشهيد البرلمان السوري واصف هيتو

ولن ينسى أبناء دمشق عرباً وكرداً المناضل محمود البرازي المعروف بأبي دياب الذي حاول اغتيال الجنرال غورو قائد القوات الفرنسية الغازية سنة1925.

وقد عاصر هذا الحي العديد من الشخصيات الكوردية السياسية والدينية البارزة منهم البرفسور “عصمت شريف وانلي” والمناضل الكوردي “عثمان صبري” والدكتور “نور الدين ظاظا” والسياسي عبد الحميد درويش، والشاعر جكر خوين والعلامة الشيخ احمد كفتارو والمناضل “محمد خير وانلي” وغيرهم من الشخصيات البارزة بهذا الحي وسكن فيها قيادات عربية نذكر منها الرئيس ياسر عرفات.

وتأسس في هذا الحي “نادي هنانو الكردي” حيث بادرة السلطات آنذاك إلى إغلاقه وبعد قدوم الرئيس حافظ الاسد سمح بفتحه على ان يكون جمعية خيرية فقط سميت بجمعية “ركن الدين الخيرية” تعمل على إعالة عوائل فقيرة بهذا الحي، بحسب مصادر كردية.

**أشهر عائلات ركن الدين:
يسكن هذا الحي عائلات انحدرت من مناطق مختلفة من كوردستان وسميت حسب المناطق المنحدرة منها مثل: وانلي و ديركي و مللي و دقوري و أومري و بارافي و باراوي وملاطه لي وظاظا ديار بكر لي و اورفه لي وكيكي و ايوبي واله رشي و ميقري و شيخاني و نعمو وجرموكلي ومارديني ومتيني ملا رسول و عباسي وبوطي وبرازي و الملا و كفتارو وغيرهم من العائلات الكوردية.

المعالم الثقافية والدينية:

تقع في المنطقة مدرسة الصحابة في خارج أسوار مدينة دمشق القديمة على سفح جبل قاسيون من جهة الشرق بمنطقة الصالحية حي ركن الدين حاليا ، وهي من أكبر المدارس الإسلامية بحي المدارس ، يحدها شرقاً المدرسة الركنية .وغرباً جامع الشيخ عبد الغني النابلسي ومتاخمة لمسجد أبو النور ، كانت المدرسة تطل من حارة العلية على حديقة جميلة على ضفاف نهر يزيد حين كان يغذي منطقة الصالحية برمتها ، وتم تغطية النهر بالإسمنت المسلح . وتعتبر هذه المدرسة أخر ما تم بنائه بدمشق من أقرباء السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي .

يوجد بهذا الحي مقام الشيخ خالد نقشبندي ومقبرة ملحقة به وفيها رفاة الأمير جلادت بدرخان والشاعر قدري جان والعديد من الشخصيات البارزة بهذا الحي وايضاً هنالك مقبرة الايوبية وعدد من أولياء الله حسب ما يطلق عليهم.

وتم تغيير اسم الحي عقب الوحدة السورية المصرية بسبب السياسة الشوفينية لإلغاء كلمة الأكراد وسميت بركن الدين نسبة لركن الدين منكورس الموجود مقامه بساحة شمدين بجامع الركنية .

مخاتير “ركن الدين”… زعماء عصرهم

مازالت شخصية المختار القديمة محفورة في ذهن الكثير من كبار السن الذين يقطنون أحياء “دمشق”، حيث تركت هذه الشخصية وراءها الكثير من الأسماء التي قضت عمرها وهي تخدم المجتمع وتحل مشاكلهم الاجتماعية المختلفة، ولعل “حي الأكراد” في منطقة “ركن الدين” احتفظ بالكثير من أسماء المخاتير الذين لهم بصمة في حياتهم.

الأستاذ والباحث التاريخي “عز الدين ملا” حدثنا عن المخترة وأهميتها، وعن أهم الشخصيات التي استلمت مهمة المختار في المنطقة نفسها.

هنا يقول الأستاذ “عز الدين”: «كان “حي الأكراد” في منطقة “ركن الدين” كبقية أحياء “دمشق” قائماً في أموره المدنية على مختار واحد يرعى شؤونه في تسجيل عقودهم في الولادة، الوفاة، الطلاق، البيع، الشراء، الارتهان في الأملاك والعقارات، إلى جانب ما يعهد إليه من الخطابة والإمامة في الجامع، كما أنه المرجع الرسمي والوجه في كثير من الأمور والظروف والأحوال يحتفظ بسجل متراكم بقيود الناس وهو مرجعه المعتمد في تصريف الأمور الرسمية التي يمهرها بخاتمه الذي نقش عليه اسمه ومنطقته ويذيله بتوقيعه.

وعن أول مختار في الحي يقول: «لقد كان أول مختار عهده “حي الأكراد” إبان الحكم العثماني هو السيد “صالح عرفات” ثم وليه من بعد “قاسو” أو “قاسم ظاظا” ثم “حسين سليمان حمزة آشتي” ثم الحاج “حسن ميقري”، وكان يعاونهم إمام الجامع وهيئة اختيارية تتألف من عضوين أو ثلاثة يتكفلون برعاية شؤون سكان الحي وتتصدر كتابتهم بخطه الريشة والحبر بكتابة: “نحن المختار والإمام والهيئة الاختيارية في الحي…. نشهد ونقر بأن….”».

يتابع: «لكن في عام 1921 عام التحرير والإحصاء أوكل للمختار شكلاً ناظماً وضابطاً لقيوده، عقوده ومعاملاته وحددت له مسؤوليته فكان أولهم الشيخ “ملا خالد الكرمي” “أبو شفيق”، الفقيه في العبادات والشرع وذو معرفة وخبرة في المعاملات المدنية والشرعية، والمتميز بحسن خطه وديباجته وبهيبته وحسن خلقه ومعاملته، حيث بعد وفاته تابع ولده العمل السيد “شفيق” حتى وافته المنية وانشطر الحي في قسمين، الأول شرقي يرعاه المختار “محمود قاسم أومري” “أبو حسان” الذي امتاز بالشخصية المحنكة القوية والذي مارس العمل الإداري في موقع دمشق العسكري وبحسن رعايته وتعاونه مع الناس، والثاني غربي عهد به إلى المختار “علي بيرم ظاظا” “أبو هاشم” الذي امتاز بهدوئه واتزانه ودماثة خلقه وتأدبه مع الناس.

عن زيادة عدد المخاتير واستلام أناس جدد هذا المنصب يقول: «بعد تضخم حي “ركن الدين” وتزايد الكثافة السكانية وتعقد الأمور في المعاملات الرسمية تطلب ذلك زيادة في عدد المخاتير فكان منهم المختار “محمد حسين دودكي” “أبو حسين” الذي اتخذ مركزه في ساحة “جسر النحاس” وامتاز بحسن سيرته ورعايته الدؤوبة والخالصة في رعاية مصالح الناس، كما اتسم بحبه للعمل في مجالات الخير،البر والإحسان، بالإضافة إلى أنه ساهم في جمعية “ركن الدين” الخيرية وشارك في دعمها وقد أحبه الناس ووقروه لما يتصف به من صفات طيبة وانتقل مركزه إلى زقاق “النقشبندي” في حي “أسد الدين

يتابع: «أما المختار “محمد نزهة شاويش بن أحمد مارديني” فاتخذ مركزه في زقاق “ميرخان” وامتاز بحسن معاملته وأخلاقه الطيبة مع الناس ورعاية مصالحهم، ثم نقل مركزه إلى شارع “ركن الدين” وعلى مدخل من مفرق زقاق “الكيكية” وتوفي عام 1998، ومن تابع مسيرته يلاحظ مدى تعاونه في حل مشاكل أهل الحي وتدخله في الشؤون الاجتماعية لحلها».

ينهي الأستاذ والباحث التاريخي “عزالدين ملا” حديثه معنا فيقول: «إن مهمة المختار سابقاً كانت من أهم المهن والوظائف الاجتماعية، فقد كان المختار الآمر الأول والأخير في الحي، وطبعاً شرط أن يتوافر فيه الأخلاق الحسنة والسلوك الجيد الذي يعتبره الناس قدوة لهم، ومن هؤلاء الذين مازال مستمراً في عمله هو المختار “خليل آلوسي” مختار حي “أسد الدين”، فهو من الشخصيات النادرة التي مازالت على قيد الحياة وهو يراقب عمله بكل جهد ونشاط.

المعمر “محمد مارديني” من الحي يحدثنا عن أهمية هذه المهنة أو الوظيفة فيقول: «إن المخترة هي مسؤولية اجتماعية لها قواعدها وشروطها، فتوافر الخلق الحسن والسمعة الطيبة هي من أهم الميزات التي يجب على المختار أن يتميز بها وقت ذاك، وقد شاهد حي “ركن الدين” أسماء لها صداها الكبير في المنطقة مثل المختار “محمد حسين دودكي، علي بيرم، محمود أومري.

جوامع “أسد الدين”… قصة التشييد والزمن
شارع “أسد الدين” في “حي الأكراد” في منطقة “ركن الدين” من الأماكن التي تحتل مكانة هامة في “دمشق”، فمازالت تلك الجوامع منتصبة في ذلك الحي تجسد مراحل تاريخية عدة مرت عليها، حيث منها ما بنيت في العهد الأيوبي والعباسي، ومنها ما شيّدت في العهد الأموي.

وعن تاريخ هذه الجوامع وأهميتها، يحدثنا مختار حي “أسد الدين” السيد “خليل آلوسي” قائلاً: «إن “حي الأكراد” وتحديداً شارع “أسد الدين” يحتضن إلى الآن الكثير من الجوامع والمساجد التي لها تاريخ عريق، فهناك عدة جوامع تتحدث عن حقب عديدة من التاريخ الذي ترك لنا تراثاً غنياً بالحضارات، منها جامع “الكردان، الدقوري”». خلال جولتنا في الحي دخلنا العديد من تلك الجوامع التي كانت أشبه بتاريخ عريق يعبر عن عمق الحضارة السورية، هنا يحدثنا الكاتب التاريخي “عزالدين ملا” عن تاريخ هذه الجوامع وأماكنها، فيقول: «كان أكثرها يماشي الطريق العام الرئيسي في ساحاته ومداخل حاراته إذ شيّدها أصحاب النفوذ وأعلام الرجال من الوجهاء والأغوات والعلماء بدافع منهم لحب الخير وأعمال البر والإحسان، كما ضم بعضها رفات أصحابها وأفراد عائلاتهم ومنها ما بناها أهل البر بمساعيهم ومعوناتهم وتعهدوها بالأموال والأوقاف حفاظاً على بقائها وديمومتها؛ فأقاموا الأشجار المثمرة في مداخلها وخاصة “شجر التوت والعنب” وحفوا أفناءها بغرف آووا إليها طلبة العلم والعاجزين والفقراء والغرباء.

يتابع “ملا”: «كما اعتنوا بخزانات وبحرات الوضوء لهذه الجوامع واستجروا إليها الماء، وبنوا بعض مآذنها بالحجارة وأخرى بالخشب المصفح بالألواح المعدنية، إذ كان المؤذن يعلو مشارفها ليطوف جهاتها حتى يصل صوته إلى الناس الذين يلبون نداء الصلاة، وكما كان القيّم على المسجد يتولى فيها مهام الخطابة والإمامة والآذان وقد يتعدى ذلك إلى غسل وتكفين الموتى دون أن ينال أجراً سوى الثواب من الله تعالى.

جوامع كثيرة اجتمعت بعراقتها التاريخية في هذا الحي، عنها يقول “عزالدين ملا”: «من هذه الجوامع، جامع “سعيد باشا الدقوري”، حيث أقام بناءه أمير الحج الإسلامي “سعيد باشا الدقوري” على إطلالة “القشلة” العسكرية العثمانية التي كان يتولاها على مشارف نهر “يزيد” وذلك في نهاية القرن الحادي عشر الهجري، حيث كانت فيه حديقة ذات أشجار مثمرة تحفه في مدخله وتتصدرها دار للقائمين عليه، كما أوقف له الأملاك والأموال لرعايته فلقد تولى عليه شيوخ وعلماء أجلاء.

جامع “الكردان”، جامع صغير في مدخله غرف علوية وسفلية سكانها هم القائمون على الجامع، عن ذلك يقول “ملا”: «بعض سكان المنطقة اتخذوا من الجامع مركزاً لتعليم العلوم الشرعية والقرآن الكريم، حيث أشرف على التدريس علماء أجلاء تخرج على أيديهم كبار علماء دمشق تركوا بصمتهم في هذا الجامع، والجدير بالذكر أن هذا الجامع قد عمره أهل المنطقة من ثمن “كردان” لقي في المنطقة وطال البحث عن صاحبه فلم يهتدوا إليه فاضطروا أن يعمروا هذا الجامع وبما جمعوه من أهل الخير فدعوه “جامع الكردان”.

أما جامع “حمو ليلى”، فعنه يقول “عزالدين ملا”: «”حمو” يعني “محمد” و”ليلى” أخته، هاجرا من “راوندوز” في “العراق” ليستقرا في مدينة “دمشق” أسوة بالمهاجرين من الأهل والأصدقاء حيث تمكن “حمو آغا الأيوبي” من إعمار قرية “الحسينية” ويقيم على عمارته الضخمة جانب العين وليضم في جنباتهم الوارفة أنعامه، كما ستتولى أخته “ليلى” تدريب وتعليم بنات ونساء الحي على الخياطة النسائية لما امتازت به من خبرة ومهارة، وتمضي الأيام ويخلف “حمو آغا” ولده “عبد الله” الذي عرفه الناس بورعه وتقواه ملجأ القاصدين وتمرسه على حب الخير والإحسان مما دفعه لإعمار جامعه عام 1901 فوق مجرى نهر “يزيد” تيمناً بالآية الكريمة “جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه”، وعلى إطلالة من ساحة “جسر النحاس” وفي جوار حاكورة “الآس” لبيت “شكو” وذلك من ريع “دفوف القمر الدين” التي كانت في حوزته إلى جانب ما معه من مال حتى استنفده هرع الناس إليه ينجدونه في تقديم العون له على استكمال جامعه لكنه يرفض ويأبى إلا أن يستأثر فيه فيلجأ إلى تقطيع الصخور من جبل “قاسيون” وينقلها على بغلته الشهباء وليرصفها وليتم البناء بجهده وبيديه تقرباً وثواباً من الله تعالي، وقد أتقن في عمارة الجامع فأقام في فنائه بحرة وضوء حجرية واسعة تستجمع مياهها من خزاني ماء حجريين تغذيهما “طلمبة” على بئر يستجر ماءه من النهر كما يعلو المسجد من جانبه الشرقي بيت سكني خص به القيم على الجامع وعلى الجانب الغربي غرف واسعة ونيّرة يسكنها القائمون على رعاية الجامع ضمت في بعضها طلبة العلم والمعوزين.

أما عن جامع “ركن الدين منكورس” فيقول: «لقد شيّده الأمير الأيوبي والقائد الحربي والعالم الفلكي العادلي “ركن الدين منكورس” غلام فلك الدين أخو الملك العادل “سيف الدين بن أيوب” عام 625هـ ودفن فيه نقلاً من “جيرود” عام 631هـ تعلوه قبتان أيوبيتان وتتوسطه في داخله بحرة حجرية مقرّنة تترامى على جوانبهما غرف للتدريس حيث كانت تضم العديد من طلبة العلم.

ركن الدين حكاية تاريخ إنساني وديني لا يموت.. “2000″ درجة صعوداً تفصلك عن أبدال الشام الأربعين:
بدأت زيارتنا من الدرجة الاولى بمنطقة “الشيخ خالد” في “ركن الدين”، وصولاً إلى مقام الأربعين أو ما يسمى بمغارة الدم بعد ألفي درجة صعوداً.

هناك في ذلك الجبل الذي يحتضن دمشق وأهلها يقع مسجد مغارة الدم “الأربعين”، عن ذلك يخبرنا الشيخ “فتحي احمد صافي”: «اعتقد بعض المؤرخين أنه كان “ديراً” يأوي إليه المتعبدون والنسّاك لما له من قدسية بدءاً من العهد الأموي إلى العباسي والأيوبي والمغولي ووصولاً إلى العثماني، إذ كان الخلفاء والأمراء والولاة يلجؤون إليه يستسقون السماء إذا عزّت عليهم بقطرها وأجدبت عليهم الأرض بخيراتها أو يترصدون فيه الأهلة والنجوم والأفلاك، إذ كان قد استسقى فيه الخليفة “معاوية ابن أبي سفيان” والخليفة “عمر بن عبد العزيز” والخليفة “هارون الرشيد” و”المأمون”، وكذلك الأمراء الأيوبيون وأمراء المماليك حتى حدا بالسلطان العثماني “عبد المجيد” أن يوعز إلى والي دمشق “حافظ أحمد باشا” في عام 1598مـ ليجدد المكان ويبني فيه خزاناً يستجمع فيه ماء المطر وليقيم بجواره خانقاه للدراويش يتعهدهم بالرعاية والعيش، كما يعتقد بعضهم أنه كان ميتماً في العهد الأيوبي يضم أيتام دمشق من الأطفال يكلؤهم أهل الخير بالتوجيه والعناية، حيث كانوا يتربعون على صخرة واسعة مجاورة تدعى “سفرة اليتامى”، كما كان الناس في المناسبات الدينية يحيون فيه الليالي في العبادة والاعتكاف حتى إن الحافظ شيخ الجامع الأموي العماد “إبراهيم عبد الواحد” أوصى أن يدفن في “الأربعين” عام 1194م إلى جانب بعض العلماء والشيوخ القائمين على البناء ما أطلق عليهم مشايخ الأربعين حتى تعددت الأساطير فبلغت مدارج الخيال.

أبدال الشام:
قال الإمام أحمد في مسنده (1\112): حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، قال: ذُكِرَ أهل الشام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً. كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً. يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرَفُ عن أهل الشام بهم العذاب)).

وقد سئل محدث الشام الشيخ عبد القادر الأرنؤوط عن الأبدال، فأجاب بأن خبر الأبدال صحيح (أراه يقصد الموقوف منه) لكن كل الأحاديث التي تحدد عددهم هي أحاديث ضعيفة. فليس للأبدال عدد محدد. و يوجد في دمشق بناء في جبل قاسيون يسمى بمقام الأربعين، يقول بعض العامة أن الأبدال كانوا يجتمعون هناك، وهي خرافة.

وكتب الأستاذ الراحل محمد أحمد دهمان مؤرخ دمشق في إحدى مؤلفاته: ( للجبال أثر كبير في التاريخ الديني , فجبل سرنديب هبط عليه آدم أبو البشر , و سفينة نوح إستوت على جبل الجودي, و الفتية الذين أمنوا بربهم أووا إلى الكهف في جبل الرقيم , و موسى بن عمران كلمه الله تعالى على جبل طور , و عيسى و أمه أويا إلى ربوة ذات قرار معين , و جبريل الملك جاء بالرسالة إلى سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام في جبل حراء , واختبأ الرسول عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر في جبل ثور حين لحقته كفار قريش , و أحدٌ قال عنه النبي العربي ٍِْ: (أحد جبل يحبنا و نحبه ).

إذاً من الطبيعي أن تتأثر باقي الجبال بهذه القصص و الحوادث فتنسج حولها الأحاديث والقصص و تصبغ بالصبغة الدينية المقدسة, وقد استطاعت دمشق استطاعت أن تلفت أنظار العالم الإسلامي و أن تظهر بالمظهر المقدس حتى صارت رابع المدن المقدسة , واستأثر جبلها الخالد قاسيون بالحصة الكبرى من الصفات و القصص ومنها مغارة الدم وهي إحدى أهم المشاهد المقدسة في جبل قاسيون .

القصة في الروايات التاريخية
ربطت الروايات التاريخية عبر العصور بين مغارة الدم وقصة أول جريمة في التاريخ ألا وهي قصة مقتل هابيل على يد أخيه الأكبر قابيل وهم ولدا سيدنا آدم عليه السلام , ولم يأت هذا الربط بعد الإسلام بل كان ملازماً للمغارة من عصور سابقة له , فقد كانت في السابق معبداً وثنياً ثم تحولت إلى كنيسة إلى أن دخل الإسلام دمشق فأصبح للمغارة مكانة دينية كبيرة لدى المسلمين مرتبطة بما ورد في القرآن الكريم من قصة ابني آدم عليه السلام .

ومختصر الرواية قابيل وهابيل أرادا أن يقدما لربهما قرباناً ليتقربا منه , فتقبل الله تعالى من هابيل ولم يتقبل من قابيل الذي غاظه تقبل ربه من أخيه, ووسوس الشيطان له قتل أخيه والخلاص منه ففعل ذلك ثم هام بجثة أخيه فترة من الزمن لا يعلم ما يفعل معها حتى أرسل له الله تعالى غرابين قتل أحدهما الآخر ودفنه فقام بدفن أخيه على نفس الشاكلة, هذه القصة كما وردت في كتاب الله (سورة المائدة 27- 31).

أما الروايات التي ارتبطت بهذه القصة فهي أن مكان القتل كان على سفح جبل قاسيون بدمشق, فعندما تمت الجريمة سال دم هابيل على صخر الجبل فشربت الأرض هذا الدم فلعنها سيدنا آدم فحرم الله على الأرض أن تشرب دماً بعد هذا الدم ,ثم فتح الجبل فمه من هول الحادثة ويقال فتح الجبل فمه ليبتلع القاتل, وبكى الجبل حزناً على هابيل, وسار القاتل بجثة أخيه أياماً حتى أرسل الله له الغرابين فتعلم منهما الدفن وقام بدفن أخيه على سفح جبل في منطقة الزبداني حيث كان, وقبره هناك معروف ويزار.

وقيل أن نبياً أو أربعين نبياً لجؤوا إلى مغارة الدم هرباً من ظلم أحد الملوك وما أن داهمهم الخطر في المغارة حتى شقَّ الله الجبل و يسر لهم طريق الخروج من الطرف الأخر فخرجوا تاركين من خلفهم روائح المسك والعنبر التي بقيت في الصخر .

وقيل أنه في يوم من الأيام كاد أن يسقط سقف مغارة الدم على أحد الأنبياء فقام سيدنا جبريل عليه السلام بوضع كفه على سقف المغارة فمنعه من السقوط , وبقي أثر كفه في سقف المغارة.

سبب التسمية
قيل أن سبب تسمية المغارة بهذا الاسم (مغارة الدم ) هو أن الله سبحانه وتعالى أبقى أثر الدم في الصخر ليكون عبرة للعالمين, ويسمى المكان أيضاً مقام الأربعين أو مغارة الأربعين وقيل أن سبب التسمية هو أن سيدنا يحيى بن زكريا أقام هو وأمه فيها أربعين عاماً , وأن الحواريين الذين أتوها مع عيسى عليه السلام كانوا أربعين , وقد أنشئ ضمن المسجد المحدث هناك أربعون محراباً.

*الوصف الحالي للمكان
أعلى المغارة على سفح الجبل يوجد بقعة من الصخر يختلف لون حجارتها عن باقي حجارة الجبل وهي تقريباً بلون وردي قيل أنها أثار دم هابيل .

أما داخل المغارة فيوجد فم الجبل الذي فُتح من هول الحادثة ( كما قيل ) وقد مُثلت فيه تفاصيل الفم بدقة من حيث وجود اللسان والأضراس , وفي المغارة أيضاً قطعة صخر يقال أنها جزء من الحجر الذي استعمله القاتل في جريمته وعليها أثار الدم .

وفي داخل المغارة أيضاً يوجد محرابان أحدهما لسيدنا إبراهيم عليه السلام والآخر لسيدنا الخضر عليه السلام.

نيوز سنتر







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق